الشيخ محمد رشيد رضا

353

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فيها القلب من موعظة إلى موعظة ، مع منتهى الاحكام والمناسبة ، بحيث لا تملّ تلاوته ، ولا تفتأ تتجدد هدايته ، حتى إن بعض الأدباء وأهل الذوق في اللغة العربية من غير المسلمين يترددون في ليالي رمضان على بيوت معارفهم من المسلمين ، ليسمعوا القرآن ، ويمتعوا قلوبهم وأذواقهم بسماع ترتيله ، بذلك النظم الذي ليس بشعر ولا سجع ، ولا كلام مرسل ، بل هو نظم خاص قابل للأداء بالنغمات المختلفة المؤثرة ، على تفاوت آياته وفواصله في الطول والقصر ، فالآية قد تكون كلمة مفردة أو كلمتين ، وجملة أو جملتين ، أو جملا قليلة أو كثيرة ، وكلها مخالفة لسائر أساليب الكلام العربي المنثور والمنظوم ، ولكل نوع منها تأثير غريب في ترتيلها وتجويدها ، بالأصوات الملائمة لمعانيها صليت الفجر مرة في أهل بيتي بسورة القمر ، وتلوتها بصوت خاشع صادع مناسب لزواجرها ونذرها ، فقالت لي الوالدة : إن هذه النذر تقصم الظهر ، وصارت تسميها سورة النذر . وقالت مثل هذا القول مرة أخرى في سورة ( ق ) فهل يتصوّر مثل هذا التأثير للترجمة التركية أو غيرها من لغات الأعاجم في أنفس أهلها كما يؤثر في أنفسهم ما دون القرآن من كلام بلغائهم ؟ كلا نموذج من ترجمة تركية إنني بعد كتابة ما ذكر تذكرت أن عند بعض معارفي ترجمة تركية للقرآن فاستعرتها منه فإذا هي ترجمة جميل بن سعيد - وسيأتي ذكرها وإذا فيها من النقص والحذف والخطأ فوق ما كنت أظن ، ويظن أنه أخذها من الترجمة الفرنسية لأنه هو لا يعرف العربية ، وهذه جرأة قبيحة لا تصدر عن رجل يؤمن باللّه وكتابه ورسوله ، وتدل على سوء نية هؤلاء الناس في الترجمة وكون غرضهم منها العبث بدين الاسلام وتنفير الترك منه ، وفتح أبواب الطعن لهم فيه . وقد راجعنا فيها ما ذكرنا من أسماء يوم القيامة فوجدناه يذكر ألفاظها العربية ويفسرها بيوم القيامة . وأما كنايات الوقاع فحذف منها قوله تعالى ( فَلَمَّا تَغَشَّاها ) واكتفى بكلمة بما يدل على الحمل وترجم الملامسة بما معناه وإذا وجدتم بالمناسبات الجنسية مع النساء فتنظفوا .